يوم من أيام شهر يوليو (تموز) شديد القيظ_كان عائداً من عمله بعد يوم شاق، مرهق، أتى على جُل قواه الجسدية والروحية_السماء كفوهات البراكين، ترمي بشرر كالقصر؛ فالشمس تميزُ من الغيظ تقذف باللهب.
تغلي له رؤس المارة العابرون، والعاملون في الشوارع، والمساكين من أقرانه، ممن يحملون على أعناقهم أعباء خُطط البيع المستهدفة، وبيان بإسم العملاء الحاليين، وكشف بحساباتهم، وآخر يحمل أسماء العملاء الجُدُد إلى آخر ذلكـ من مستندات يحتاجها هؤلاء المساكين الذين تلهف وجوههم نار الصيف، ويأكل عظامهم الزمهرير؛ وهذا في الشتاء.وعلى الرغم من قسوة الشتاء فإنه يحبه ..!(وهذا له ذكره لاحقاً).
كان يتفق له دائما أن يقرأ تلكـ الآية ليدخل إلى نفسه الصبر ويهدأ من روعه:
"قل نار جهنم أشَدُّ حراً"
وتسائل في نفسه: لَمْ يكن الجو في تلكـ البلاد حارقا هكذا خلال الصيف ..!
هل أصبحنا كدول الخليج؟! .. الذي يتفق أنهم يملكون أموالا كثيرة _زي الرز_ يستطيعون من خلالها شراء _سيارات فارهة مكيفة الهواء_وبيوتا أكثر رفاهة وبها أيضا أجهزة تكييف للهواء كثيرة _زي الرز أيضاً_ عالية الصنع وغالية الثمن ..!
وبعد أن تاه في نفسه قليلا، انتبه إلى نفسه ثم أضاف:
أم أن الشمس هي التي تغيرت ؟!
وهل كثيرا على الشمس أن تتغير؛ تلكـ التي ومنذ ألوف السنين. ترسل سلاسلها الذهبية في رفق ولين. وقت أن هبط الإنسان على الأرض . لم تُفرِّق يوما بين غني وفقير . أما الآن أصبحت عذاباً على هؤلاء الذين يقضون حياتهم سيراُ على الأقدام ولم يضحكـ القدر في وجههم ولو مرة. بحيث يرتقون إلى رتبة الآخرين الذين اقتنعوا بأنهم بشراً فوق البشر . وفي بعض الأحيان وكثيرة ظنوا أنهم آلهة. قاطني السواحل الشمالية الذين يغيرون ألوان جلودهم متى اتفق لهم ذلكـ ويجملونها أيضا بحقن الـ"بوتكس" فهي تكيل بمكيالين..! هل كثيرا عليها أن تتغير؟!
فلا جديد أمام قرص الشمس . هذا ما قاله ثم تابع،،
أم أن البشر هم الذين تغيروا ولم يعد في مقدورهم الإحتمال..أحتمال أي شئ .. يضجرون، يملون، يتأففون، يسخطون، لا يرضون بما قد اقتسمته لهم يد القدر. حتى أشعة الشمس الجميلة أصبحت موضع سخطهم..!
ثم قال في نفسه: إن البشر يتغيرون ..!
ومضى ..!
هو ابن الخمسة وعشرون سنة. تخرج من كلية الآداب_قسم الفلسفة_بتقدير عام جيد جداً. شابٌ في مقتبل العمر في لون حباة القمح لوحها الوهج قليلا فَحَمصها. شعره مموجا كث كما لحيته، أنف كبيرة بعض الشئ كما هو حال العظماء دائما. غير أنه لم يبلغ من العظماء تشبها إلا من أنف، وأنفة، وعزة، وإباء، وحُلماً يملأ أفق حياته يهتف إلى تحقيقه. حلمه الذي قال دائما أنه لم يبثه يوما إلى بشر. ولكنه أضاف: ولكنني قد قرعت به أبواب السماء. بأكُفٍ تضرعت دوما إلى الله فى دجىًّ حالكةٍ؛ فهو معلق الآن في ما وراء الغيم. وحين يأتي موعده حتما سيأتي. وقال فيما قال إني استحيت دوما أن أطلب من الله مالاً. فذلكـ حطام الدنيا وأنا أهشه عني كما يهش المرء عن نفسه الذباب كارهاُ. ذلكـ على الأقل وجهة نظره. حيث قد يرى الآخرون أن العظمة في القصور والضياع وأشياء مادية. إذا كان المقيا هكذا فهو إذا ولا ضير عظيم بدرجة "متسول". ثاقب النظر يحمل لون عيون أبيه البنية كحبتي بندق. عريض المنكبين، صدر رحب، طيب النفس، بهي الطلة، قوي البنية يوحي لمن يراه بأن قوامه الجسدي به مسحة من جسد رياضي. لكنه لا يمارس أية رياضة على أقل تقدير الآن. ليس لديه الوقت الكافي لذلكـ. غير أنه يحمل خلقا سيئا من وجهة نظره ألا وهو الإنفعال. يفقد أعصابه بطريقة سريعة. غير أنه في الواقع وفي حقيقة الأمر لم يكن كما يُخَيَّلُ إلى البعض أنه شاب غير صبور متهور. كلا..! فهناكـ فارق شاسع بين أن يكون الإنسان ذو أنفة، وعزةٍّ، وإباء ويرنو إلى الحق مندفعا بكل عواطفه نحوه، وبين البرود، والإستكانة، والركون إلى كثير من التروي والتمعن والإفراط في التفكير. فكثرة التفكير والتررد تفقدنا لذة المغامرة. فكم من الأحلام خسرناها وكم أضعنا من الأحبة ونحن واقفون على عتبات التردد نتأرجح لا أن نمُّدَ أيدينا إليهم نستبقيهم. ولا أن نرفعها ملوحة لهم بالوداع الأليم. ونخسرهم ونخسر كل شئ . ويحدث أن نخسر أنفسنا بعد ذلكـ دون أن ندري. لكن أن نُربِّي الشغف. طامحين يحملنا ألأمل على أجنحته لنخطف ما كان لنا، وندافع عن أن نخسر أحبتنا ونقاتل من أجل فكرة نراها صحيحة، فهي تمثلنا على كل حال، تجعلنا مختلفين في نظر الآخرين. هم يرون ذلكـ تهورا. ونحن نراه حياة ليست كالحياة التي يحيونها.
وقته يقضيه بين عمله وفي صُحبة كتاب. ومع أمِّه التي تنتظره بصبر ولهفة_في شقتهم المتواضعة_ فمن لها غيره بعد وفاة أبيه. ذلكـ "الرجُل" الذي قد غاب عنه منذ طفولته. لأسباب تكفلت بمعرفتها يد القدر. وليس لذلكـ الوالد الحنون من ذكرى تطوف برأس ذلكـ الولد الذي كان يبلغ وقتها عشر سنوات أو أكثر قليلا_بالطبع هناكـ ذكريات كثيرة يتذكرها_ولكن لتلكـ دلالة خاصة في نفسه وظلت معه حتى إختفى..!
تلكـ الذكرى ما هي سوى جملة قالها الأب. ولما لا تظل عالقة على جدار ذكرياته وهي آخر ما قاله الأب لأبنه وهو على فراش الموت.
قال له: قلت لكـ يا بُنيّ أن تنهل ما شئت من شهد الأيام ونحن معا. فها هي قد انقضت.. وبكى الأب؛ وما هي إلا أيام حتى توفاه الله. وقتها لم يكن يفهم جيدا ما معنى أن ينهل ما شاء من شهد الأيام. وهل من المكن أن تكون هناكـ أيام حلوة وآخرى مُرَّة؟!. الأيام تكفلت بتوضيح ما قد غاب عنه وقتها. ولم يعد له في الدنيا بعد ذلكـ سوى أمه ومن له غيرها تهدهده، وتمسح عن كاهليه غبار التعب، تدعو له؛ هي جنته وفردوسه الأرضيّ.
وحيدون هما نائون عن العالم شيئا ما. أعطوا للدنيا _صرمة_إلا من بعض الأقارب وقلة قليلة من الجيران. تلكـ الأواصر التي ما زالت تربطهم بالعالم بالطبع لم تكن من جهده الإجتماعي الذي كان بعيدا كل البعد عنها تمام. وحدها السيدة أُمَّهُ هي التي أبقت عليها.
يقف على مفترق الطرق إما أن يقضي حياته كما يتفق له وعلى حسب رأية بشرف في عزة وكرامة أو أن يُوَّسَد الثرى ويحياها عند ربه فهذا أشرف وأكرم. أشياء بالية قد أكل عليها الزمن وشرب.كما قال له أحد أقرباءه..! يحمل همّا دائما ولكنه لم يجد من يفضي إليه به ربما كان قد أفضى إلى أحد ما يوما ما لكنهما الآن وعلى كل حال قد افترقا .
يعمل مندوب مبيعات أوقل إن شئت "بيّاع" باللغة العامية الدارجة.براتب قطعا لن نذكره حتى لا ندخل الحسد إلى نفوس أحد القراء ونجعل ذلكـ سرا.